هل كان نموذج الأب المتسلط أكثر نجاحا حقا؟
لماذا نفشل في إجابات الأطفال البسيطة مثل "لماذا نصلي"؟
انتشر مؤخرا منشور على فيسبوك يتحسر فيه أب مصري على خدعة التربية الإيجابية ونصيحة مصاحبة الآباء للأبناء ويقول أن أحسن نموذج للأبوة آباءنا الذين كانوا نماذجا للسلطة المطلقة. يقترب عدد معجبي المنشور حين قرأته من ثلاثين ألفا، رغم أن كاتبه ليس شخصا عاما أو صانع محتوى مشهور. من الواضح إن المنشور لامس وترا عند كثير من الناس.
أرى هذه الطرح مثالا لظاهرة منتشرة لدى المسلمين عامة والمصريين خاصة، وهي الارتباط الرومانسي بصورة خيالية للماضي، ثم التحسر على ذلك الماضي الضائع الذي لن يعود. في ذلك المنشور مغالطة كبيرة جدا وهي افتراض أن طريقة تربية آبائنا أنتجت جيلا مثاليا أو على الأقل أفضل بكثير من جيل أبنائنا، وأن جيل أبنائنا هو المشكلة. يتناسى هذا الطرح المشاكل الأخلاقية والاجتماعية العديدة التي يعاني منها جيلنا والمرتبطة ارتباطا وثيقا بالتربية. ثلة من هذه المشاكل نابع من تقديس هذه الصورة المثالية عن الأسرة وضرورة تصديرها لمحيطها، واعتبار هذه الصورة أولولية أكثر أهمية من سعادة أفراد الأسرة أنفسهم. هذا غير مشاكل الذكورية السامة والعنف المنزلي وارتفاع نسب الطلاق المنم عن المشاهد من الفشل في تحمل مسؤوليات الزواج والفشل في تقييم شريك الحياة قبل الارتباط والاندفاع لعقد زيجات غير موفقة بسبب ضغط المجتمع (خاصة الآباء). هذه المشاكل على سبيل المثال وليس الحصر.
الخطأ الثاني في ذلك الطرح افتراض أن التربية الإيجابية و”مصاحبة الآباء للأبناء” اختراع حديث (غربي بالطبع). يتناسى هذا ما كتبه علماؤنا مثل ابن خلدون منذ قرون “ومَن كان مرباه بالعسف والقهر.. سطا به القهر وضيق على النفس في انبِساطها، وذهَب بنشاطها، ودَعاه إلى الكسل”.
حين درست تربية الأطفال علمتني أستاذتي د. دعاء عثمان أن جل سلوكيات الأطفال يرجع لأصل يجب أن نبحث عنه. وأحد التحليلات التي تعلمناها كان عن تأثير تسلط أحد الأبوين على سلوكيات الأطفال في الكبر. سأذكر مثالا واحدا للاختصار: تسلط الأب وضعف شخصية الأم قد ينتج ابنا خنوعا يمارس نموذج السلطة الشرسة، يختار الضعفاء (ومنهم زوجته) ويكسرهم. النموذج نفسه قد ينتج عند البنت نموذج سلبي للرجال. فتختار رجلا ضعيفا وتتسلط عليه. على الأغلب رأينا بعضا من هذه النماذج في معارفنا، لكن لا نمتلك كلنا البصيرة أو العلم لمعرفة هذه التحليلات.
هل يمكن حقا أن نقول أن نموذج التسلط الأبوي نموذج ناجح بناء على النتائج الآنية من طاعة الأبناء؟
إن سألت دائرتك من الآباء عن هدفهم في تربية الأبناء، فسيجيب كثيرون أن هدفهم تربية أطفالا ناجحين وسيجيب آخرون أن هدفهم تربية مسلمين صالحين. لكن في رؤيتي هدف تربية الأطفال يجب أن يكون تنشئة أشخاص قادرين على اتخاذ قرارتهم بأنفسهم بطريقة صحيحة. لأن الأبوين لن يكونا مع الطفل دائما، ومقياس نجاحهما أن يستطيع الطفل اتخاذ قرارت تؤدي للفلاح الآخروي والنجاح الدنيوي بدونهما. كلنا نعرف أشخاصا لا يستطيعون اتخاذ قرارات بصورة مستقلة، وهذا من أكبر أخطاء التربية.
من أبرز الأمثلة على استقلالية اتخاذ القرارات علي بن أبي طالب رضي الله عنه، الذي أسلم في سن بين ثمان سنوات وإحدى عشرة سنة، بعد محاورة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتحمل مسؤولية كتمان سر الرسالة حتى عن أهله. من المعروف أن من ربى عليا رضي الله عنه، بالإضافة لأبيه أبي طالب، كان الرسول نفسه.
تذكر: ما ضربَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ خادمًا لَه ولا امرأةً ولا ضربَ بيدِهِ شيئًا (صحيح ابن ماجه)
استوقفني في المنشور المذكور أنه تحسر على انعدام الهيبة، ليس للأب فقط، لكن أيضا ل”رموز الأبوة” كأصدقاء الأب والأعمام والأخوال. استوقفتني هذه النقطة لأنها ذكرتني فورا بما أراه علاقة جيلي غير السوية بعلماء الدين، والتي تنبع من النظرة الأبوية لهم. إن كان عالم الدين كهلا أو عجوزا وملتح، بل إن لم يكن عالم دين حتى ويتكلم فقط بالفصحى، فإننا نقبل منه كل ما يقول، حتى إن كان غير منطقي أو سخيفا. ويفتن هذا التقبل المطلق آخرون، فينبذون هيئة علماء الدين تلك أو حتى الدين بالكلية.
تذكر: يعرف الرجال بالحق، ولا يعرف الحق بالرجال.
في كتاب “تمسك بأبنائك” يشرح د. جابور ماتيه ود. جوردون نيوفلد أن السلوكيات المشكلة لدى أطفالنا أحيانا ما تكون في حقيقتها مشاكل في علاقتهم بنا. ويشرحون أن أهم ما يحتاجه الطفل علاقة متينة مستمرة مع راع يتقبله قبولا غير مشروط ويحبه حبا غير مشروط. أي لا يقول له “كل الخضار عشان أحبك”. ينتقد جابور ماتيه الكثير من كتب وممارسات التربية الغربية الحديثة، لكنه يستخدم الأبحاث وينقد نقدا موضوعيا، ولا يتحسر على ماض ضائع متخيل.
لكن كاتب المنشور أصاب، في رأيي، في انتقاد نقطة تمحور حياة الآباء حول أبنائهم وحصر رسالتهم في الحياة في إنشاء الأطفال. ليس هذا من الإسلام في شيء، وإن كان أي نقد قرأته عن ذلك الأسلوب في التربية غربي، ويطلق منتقدوه عليه “تربية الهيليكوبتر”. إن تعود الأطفال على تلبية حاجاتهم باستمرار فستصيبهم هشاشة، تحدث عنها باستفاضة د. جوناثان هايدت.
لا يجب أن يحمل كلامي على محمل لوم آباءنا. الأطفال قديما كانوا ينشأون “في قرية” كما يقول التعبير، أي محاطون بالكثير من البالغين الذين يراقبون ويقومون سلوكهم. أما اليوم، فكل مهام العناية بالطفل تقع على عاتق الأبوين، وفي كثير من الأحيان، الأم فقط. يسبب ذلك ضغطا شديدا على الأبوين، خاصة إن أضفت الأعباء المادية للمعادلة، والازدحام وبعد المسافات، يصعب معه أن يكون الأبوين صافيي الذهن ومصدر استقرار للأطفال. بل أصبح المعتاد في بيوتنا أن تشوب علاقة الآباء والأبناء التوتر. كان جيلنا بداية حدوث هذا التغيير الاجتماعي وحدوث خلل في منظومة لم تتغير قبلها تغيرا جذريا لعقود أو ربما لقرون.
تغير العالم كثيرا في الخمسين سنة الماضية. حين كنا نسأل أبوينا “ليه بنصلي” كانت الإجابة “عشان ربنا يحبنا” أو “عشان ربنا يبارك لنا”. لا تنفع هذه الإجابات لأولادنا. العالم عند أطراف أصابعهم، وإجابة “عشان ربنا يبارك لنا” ستطرح حتما سؤال: “وماذا عن كل الذين لا يصلون، بل لا يؤمنون أصلا، وحازوا الدنيا؟”.
علق الكاتب شادي عبد الحافظ تعليقا جميلا على المنشور المذكور، ناقش فيه فكرة أن العالم الآن أكثر تعقيدا، وطريقة “هي كده” في تربية الأبناء، حتى وإن أفلحت سابقا، لن تؤهل أولادنا للتعامل مع تعقيدات عالمهم المتزايدة. الرابط هنا.
أناقش مشاكل الرومانسية في التعامل مع الماضي والإجابات السطحية التي نقدمها لأولادنا في بودكاست “عرفوه بالعقل”:
مراجع:
مركز أبسال الذي تديره د. دعاء عثمان
اقتباس ابن خلدون من “المقدمة” https://www.goodreads.com/quotes/726341
On ‘Hold on to your kids’: https://www.irishexaminer.com/lifestyle/arid-30894556.html
Jonathan Haidt’s ‘The fragile generation’: https://www.stern.nyu.edu/experience-stern/faculty-research/the-fragile-generation-jonathan-haidt


